حاول المؤلف في هذه الدراسة، أن يطرح مسألة مشاغل المسيحيين العرب الكبرى لا من وجهة نظر التفكر الديني، ولا من وجهة نظر التفكير القومي، ولكن من وجهة نظر معرفية مكانا (مصر والعراق والشام) وزمانا (الفترة الممتدة من سنة 1918 تاريخ نهاية الحربة العالمية الأولى وسنة 1939 تاريخ اندلاع الحرب العالمية الثانية).
انطلق المؤلف من جمع أعلام المسيحيين العرب، وقام بتصنيف 228 علما حسب مجالات اهتمامهم. من خلال دراسة مؤلفاتهم وتقديمها ماديا ومعنويا، قصصا وروايات ودوواوين شعرية وكتب تراجم وفهارس ومعاجم وموسوعات وكتب تاريخ مخطوط ومطبوعة شملت مجالات أدبية ولغوية واجتماعية وسياسية ودينية وتروبوية.
في تقديمه للكتاب يقول الباحث التونسي عبد المجيد الشرفي إن المتعلمين يعرفون لا محالة عدداً من الإعلام العرب الّذين تدلّ أسماؤهم أو ألقابهم على هويّتهم الدينيّة، من أمثال جرجي زيدان وبطرس البستاني وبشارة الخوري وميخائيل نعيمة؛ ويُشار في العادةِ عند الحديثِ عن النهضةِ العربيّة في القرن التاسع عشر إلى الدور الهامِّ الذي كان لروادها من المسيحيين في مجالات الفكرِ والمسرحِ والصحافةِ وغيرها؛ ولكنّ إسهامات المسيحيين العرب منذُ تلك الفترة، وفي سائرِ الميادينِ الأدبيّةِ والفنيّةِ والعلميَّةِ، تبقى في الأغلب غير معروفةٍ على نطاق واسع؛ وطبيعيٌّ أنّ من شأن هذا النّقصِ - أو قل بالأحرى التّقصير - أن ينعكس إنعكاساً سلبيّاً على مستوى الوعي العربيِّ، ممّا يحتّم تداركهُ بشتّى السِّبلِ.
وقد كانت فترة ما بين الحربين فترة ثريّة حُبلى بتحوّلاتٍ عميقةٍ على أكثر من صعيدٍ؛ فشهدت هذه الفترة بروزَ أعمال ومواقف لم ينقطع تأثيرها والجدل حولها منذ ذلك الوقت، على غرار "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق، و"امرأتنا في الشريعةِ والمجتمع" للطاهر الحداد، ومستقبل الثقافة في مصر، لطه حسين.
وعلى هذا الأساس فإنّ إقبال خالد الحمروني على دراسةِ مشاغل المسيحيين العرب في بلاد الشام (لبنان وسورية وفلسطين والأردن) ومصر والعراق كما تتجلّى من خلال مؤلّفاتهم، وبالأخصّ كتبهم المنشورة في الفترة المعنيّةِ، له بالتأكيد لا ما يُبّرره فحسب بل ما يجعلُ منه عملاً ضروريّاً يسهمُ في تكوينِ صورةٍ لتلك المرحلةِ قريبة من واقعها الغنيِّ والمتشعّب، ولئن استقى الباحثُ مادّتُه من مصادر متاحةٍ كانت منثورة فيها فإن تجميعها وتصنيفها حسب نوعيّة المشاغلِ في جداول احتوى عليها الباب الأوّل يُيسّر الرجوع إليها والإستفادة منها.
وينظر مؤلف الكتاب في الباب الثاني في المشاغل الذاتيّةِ في مجالات الأدب واللغة والعلوم والصحافة والتربية؛ وكذا فعل في الباب الثالث المخصّص للمشاغلِ العامّةِ، فارتأى المؤلف أنّها تتعلّق أساساً بالنّظرةِ إلى الغربِ، وبالدّعوة إلى التجديدِ، وبفصل الدين عن الدولةِ، وبالفكر القوميّ، وبالمشاغلِ الإجتماعيّةِ، وختم الباب بدرس قضيّةِ الطائفيّة في لبنان، أمّا الباب الرّابع والأخير فكان باباً تأليفيّاً حاول فيه تبيّن الإشكاليات المطروحةِ، وتقييم إسهاماتِ المسيحيين العرب في الحياة الفكريّةِ العربيّةِ.
أو



























